المعارضة ومسلك الإمارة

 

 

عندما نتحدث عن بيت الحكم في الكويت لا يعتبر تعديا في الخوض ، بل هو حديث عن الذات عن المصير والمستقبل حديث يستوجب الشفافية والصراحة والوضوح ..

إن بيت الحكم في الكويت طوال قرن مضى لم يخلو البته من صراع أقطاب ، صراع أخذ صور متعددة غير متطابقة في كل مرحلة من مراحل تاريخنا السياسي ،  صراعا محسوسا وملموسا وأحيانا ظاهرا كما هو الحال اليوم ، فمنذ إقصاء مبارك الصباح لأخويه في الحدث الشهير، ظلت ظاهرة صراع الأقطاب داخل بيت الحكم سمة دائمة .

ودون تعداد الحالات السابقة في صراع الأقطاب ، واقع الحال يستدعي القفز مباشرة ، إلى حالة الصراع الحالية ، لكونها تحمل في طياتها مظاهر جديدة غير تلك التي كانت عليها الكويت أسرة حكم وشعب ووطن ومحيط ، فكل المكونات السالفة طرأت عليها الكثير الكثير من المتغبرات ، تستوجب أخذها بعين الإعتبار ، فأسرة الحكم لم تعد متماسكة كما كانت ورؤاها وتحالفاتها تغيرت بالكامل مع تطلع بعض شباب الأسرة ذاتها لواقع جديد يحفظ مستقبل أسرتهم وموقعهم في الحكم  لا كما يراه طاعني السن بالأسرة ، والشعب الكويتي كذلك لديه تطلعات مختلفة جذريا عن ذي قبل ، فلم تعد مطالبه  تنحصر في المراقبة والملاحقة والتشريع ، بل في التنقيح للدستور بما يرفع سقف المكتسبات الدستورية من حكومة منتخبة وإستقلالية قضاء وتفعيل مؤسسات وهيئات ، وتغيير مواد دستور تحد من سلطة الأمير في تعجيز وتحجيم المؤسسة التشريعية عن أداء دورها ، وتحديات المحيط لم تعد تقليدية فهي ذات تبعية تأثير في إستقرار  أنظمة الحكم بالجوار .

إن واقعنا السياسي إستقراره مرهون في مدى تنامي الندية والمماثلة بين بيت الحكم من جانب ومؤسسة الشعب من جانب آخر  ، وعندما نتحدث عن المماثلة ، فاننا نرفض المغالبة ، بمعنى نرفض غلبة بيت الحكم في مؤسسات النفوذ بادارة شئون الوطن ، كذلك لا نقبل تقويض الأسس التي قامت عليها الكويت في بقاء الحكم في ذرية مبارك ،

حالة الصراع القطبي في بيت الحكم ليست جديدة لكنها تحمل في طياتها الكثير من المتغيرات ، تعد لحظة تاريخية للوطن ثم لأسرة الحكم و للشعب الكويتي قد لا تتكرر ، حاجة أسرة الحكم لحسم الصراع القطبي أكثر من حاجة الشعب والوطن لذلك ، فهي المتضرر الأول منه ، والشعب الكويتي يحتاج أيضا أن يضطلع بدور أكبر في إدارة شئون وطن يتحمل فيه مسؤولية شراكة الحكم والنهوض بالوطن في ظل تحديات كبرى لا يمكن إنفراد بيت الحكم في مواجهتها .

وبعيدا عن جذور الخلاف الحاصل الآن ، ولكن في النظر فيما تمخض عن كثير من جوانبه ، فانه ليس خلافا في إدارة شئون الوطن ، وإنما خلاف تسابق على ثروات الوطن ، والقصة ليست في الملايين أو المليارات ، بل في النفوذ والقدرة على تمهيد الطريق لخلافة الإمارة الحالية .

ولكونه خلاف سباق نحو الإمارة والنفوذ والقوة ، وأطراف الصراع والسباق إن شئنا القول قد حزمت أمرها في الجري وبقوة نحو الإمارة ، فاننا كشعب يجب أن نضع رهاننا في أحد المتسابقين ، ليس لاعتبار النزاهة والوطنية العالية ، فكل المواقف السابقة لا تعطي الأفضلية لأي منهما ، لكن العقد الإجتماعي ما بين أسرة الحكم والشعب الكويتي ، يفرض الإلتزام ويرفض الإخلال بأسسه .

ومن هنا يجب على المعارضة السياسية وهي المفتاح الرئيسي الآن ، أن تحدد مسارا سياسيا جديدا في التعاطي السياسي مع الصراع القطبي ، فلم تعد الحيادية والنأي عن ذلك الصراع يخدم الوطن والشعب وأسرة الحكم ذاتها ، لذا وجب الإنحياز المشروط مع أحد الأقطاب ، الأقل ضررا في الحاضر والمستقبل على الأسرة والوطن والشعب ، من خلال إتفاق سياسي رصين ومتماسك ، يمهد طريق الإمارة لذلك القطب دون غيره ، في مقابل وجود ضمانات لا تقبل النقض في تمكين الشعب من إدارة شئون الوطن في إطار حكومة منتخبة ذات صلاحيات كاملة ،

وهذا الإتفاق ينطلق من إشتراط صريح وبائن على  تعديلات دستورية جدية تعالج حالة القصور والخلل والعجز الذي يكتنف المؤسسة التشريعية ، وجعلها مؤسسة مماثلة لمؤسسة بيت الحكم في إدارة شئون الوطن .

ومن أجل ذلك على المعارضة السياسية أن تنأى بنفسها أن تكون أداة سياسية لأحد الأقطاب ، وفي نفس الوقت يجب ألا تكون بعيدة عن معطيات الصراع القطبي ، فالإكتفاء في تتبع التسريبات والأرقام والتجاوزات المرعبة والمسربة هنا وهناك ـ لا تورث إلا إحباطا أكثر وأكبر على الوطن ، فالأولى أن تختار قواعد متينة وثابته ومبدئية في هذا الصراع ، تنحصر في الإنحياز المشروط لأحد أقطاب الصراع الأقل ضررا والأقرب فرصة في السير نحو الإمارة ، وإبرام إتفاق سياسي محكم ومشهود حول التغييرات الجوهرية التي تمكن النظام السياسي التخلص من حالة العجز بتعديلات دستورية حاسمة تجعل الشعب اليد الطولى في إدارة شئون البلد والأسرة في إدارة شئون الحكم  .

 

 

Advertisements
نُشِرت في محليات | أضف تعليق

أردوغان.. مواطن لا زعيم

اردوغان - زعيم

أحد معضلات العقل العربي والإسلامي أنه مغرم إلى حد العته في الزعامات ..

فالزعامة تمثل للانسان العربي والمسلم الخلاص وإختصار الزمن في الوصول للمجد ونيله ، والتفوق على الخصوم ، وكسر شوكة الأعداء ، وكلها آمال وأحلام يراد جنيها بلا جهد سوى إنتظار المخلص الزعيم .

وهذه الحالة لا تزيد من واقع الأمور إلا سوءا ، لأنها ألحقت ضررا فادحا بالأمة طوال قرون ، لكن العصر الذي نعيش فيه ، يستحيل أن يحصر خلاص الأمم في فرد ، فلم تعد شئون الحياة بالقدر اليسير لكي يمكن لزعيم مهما كان جبروت قدرته وإمكانياته ، فلن يحيط بكل شيء ، ناهيك عن نعقيدات البشر ، فلم تعد الشعوب طيفا واحدا بل هي أطياف متفرقة بل مشتته ، لذا يكون شأن الزعيم ضرب من الخيال العابش البعيد عن الواقع .

إضافة أن هناك معطيات واجبة لا يمكن لأي زعيم تجاوزها والإعتماد على شخصه فقط لتحقيقها .

وباعث الحديث في شأن الزعامة ، هو ما تردده أهواء الشعوب المسلمة والعربية من هوس في شخص الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان والتطلع له على أنه بوابة الخلاص ، وفي يديه طوق النجاة من حالة الاحباط والشتات التي تعيشها الأمة .

بالطبع لا يمكن بأي حال التقليل من قامة كبرى من مثل أردوغان فالمواقف والنجاحات على المستوى السياسي والإقتصادي أكثر من أن تحصى وأكبر من أن توصف ، ولكنها ليست مانعه عن تناول شخصه بموضوعية تكفل لنا وعيا لخطورة التعامل بنرجسية حالمه لا تخدم عقل وواقع الأمة .

أولا أردوغان صنع فريقا رائعا من المنجزين الأقوياء الأمناء المتقنين تسجل باسمها وتنسب لها فضل تلك الإنجازات ولا يمكن لأردوغان أن يحقق ما حقق لولا وجودها وقوتها وأمانتها ، وثانيا البيئة العلمانية بتشريعاتها وحرياتها ساعدت على إطلاق المكنون وتحقيق المنجزات وأحيانا المستحيلات ، فلولا هاتين الخاصيتين لما تحقق النجاح لأردوغان على هذا النحو الملموس ، ولكن يبقى لذكائه وحنكته وقوته دور كبير وبارز في تذليل كل الصعاب .

وللإنصاف والموضوعية .. المعضله ليست في شخص أردوعان ولكنها ترجع إلى عقل من يرفعه إلى مقام الزعامة المطلقة الغير قابلة للانتقاد أو التقييم ، وبما أن لأردوغان محيط من المنجزات فعليه زخات وقطرات من المنغصات ، وهنا لا أتحدث بلسان خصومه العلمانيين في الداخل التركي أو الليبراليين وغيرهم في خارج تركيا ، فهم على عداء شديد يصل إلى حد الفجور والكذب والتدليس ، فهناك تطرف يرفع مقام أردوغان يجعله فوق النقد ، وهناك من يبخس حقه في المنجزات إلى حد الإنكار لها ..

وأنا هنا لست من الفريقين بشيء سوى أنني أتعامل مع أردوغان على أنه مواطن تركي مخلص لوطنه وشعبه ، تحمل المسؤولية بقوة وأمانة أصاب في الكثير وأخطأ في بعض منها .

وهناك خطورة شديدة بدت بعض ملامحها اليسيرة مع الأمل ألا تزداد ، أن وهج الزعامة المبالغ في تصويرها لدى الشعوب العربية والإسلامية ، لن يساعد أردوغان في مواجهة تحديات أكبر ستأتي حتما في قابل الأيام ، فالإنتصارات المتكررة والزخم الشعبي الممتد في الداخل والخارج والمدح المطلق والدفاع عن منجزاته بعاطفة جياشة وتبرير أخطائه بحماسة ، ستجعل زعامته نقطة ضعفه ، وكلي أمل ودعوات ألا ينتابه في ذلك شيء ، ويكون كما ظننا به .

إن لغة خطاب النصر ومن قبلها حدة تعامله مع خصومه وحتى حلفائه ، وإشعار المواطن التركي البسيط والمتوسط بأنه مستهدف بمؤامرات لا حصر لها ، والترويج لقصص أقرب ما تكون إلى الخيال والهوليودية ، كل ما سبق سيدفعه حتما كبشر وكإنسان الى شيء من الديكتاتورية الخفية .

         أعرف أن الكثير قد لا يتفق معي وقد ينزعج مما أقول، لكنني أنشد قراءة موضوعية لازمة تهدف إلى الإتزان في التعاطف والتأييد ، بحيث أن يكون قائما على أسس موضوعية متجرده ، وألا يكون إجحاف الخصوم سببا في تقديس الرمز .

ومن هنا أقول ليس هناك من مؤامرات خارجية أو داخلية ضد أردوغان وحزبه ، وإنما هي صراعات شديدة يغلب عليها الكثير من الظلم بحقه ، وما يردده أردوغان من تآمر إنما هي دعايات يستهويها الرأي العام التركي ، وهي نهج كل السياسيين الأتراك في استقطاب الرأي العام التركي ، كما إنتهجها القيادي الكبير نجم الدين أربكان رحمه الله في إتهام تلميذيه أردوغان وعبدالله جول نفسيهما ، حينما أعلنا الخروج على طاعته ، فقد إتهمهما  بالتآمر والعماله لأمريكا ، فهي سمه طبيعية وليست جديدة لدى السياسيين الأتراك ومن كل الجهات ، فليس كل ما يردده الزعيم صحيحا وصادقا فالسياسة لها لوثات لا ينجو منها أحد ، ويبقى المعيار الموضوعية لا العاطفية .

نُشِرت في شئون اقليمية عالمية | تعليق واحد

قريبا..الإنقلابيون أمام محاكمات ثورية

محاكمات

منذ الخامس والعشرين من يونيو الفائت ، أي في اليوم الذي أعلن فيه المجلس العسكري فيي بيان مقتضب ، مهلته لكل القوى السياسية في مصر أن تصل لاتفاق فيما بينها وإلا إضطر للتدخل ،  وإتضح فيما أنه بيان خادع يمهد لصدام لا إلى فك تشابك .

ليأتي يوم الثلاثين من يونيو ليظهر فيه المجلس العسكري نواياه المبيته ، بإعلان موقفه المنحاز بالكلية إلى أطراف سياسية في مواجهة طرف سياسي حاكم جاء بإرادة شعبية معلنة ونزيهة وصريحة وواضحة ، من خلال خمس إستحقاقات إنتخابية متنوعة خلال مدة زمنية حدثت فيها أحداث سياسية واحتكاكات لم تغير الرأي المصري فيها الشيء الكثير ، فقد أعطى ثقته لذات الفصيل السياسي خمس مرات وبنسب  متقاربة ، ولم يؤثر فيه سلبية الأداء السياسي لحكومة الرئيس مرسي  أو الحملات الإعلامية المنحازة وما يضاف لها من أداء مؤسسات يفترض فيها الحياد ، فلم تكن المؤسسة الأمنية ولا الإعلامية الرسمية ولا القطاعات العامة الأخرى المتصلة بالمعيشة اليومية للمواطن على موقف بعيد عن التجاذب السياسي بل وُظفت بالكامل في ذات التجاذب السياسي ليتحقق معه الاستقطاب الكامل بقصد إفشال وإضعاف من هم مع الرئيس وسلطته .

وقد كان لهم ما أرادوا ..

ليأتي بعدها الثالث من يوليو ومعه إعصار الإجتثاث وليس رياح الإقصاء ..فكان أكثر المتشائمين وحتى المؤيدين منهم للانقلاب العسكري ، يحذرون من إنتهاج سياسة الإقصاء ، فبرروا الإجراءات التعسفية المباشرة بعد البيان الأول للانقلاب واعتبروا أن ما سيجري إنما هي إجراءات إحترازية لا أكثر ، وأن إعتقال واختطاف الرئيس مرسي هو حماية له ، وإغلاق القنوات الإعلامية المحسوبة على التيار الإسلامي إنما هي وقتية والملاحقات الأمنية إنما سعيا لضمان حماية مسيرة خارطة الطريق ، وما هي إلا أيام وستعود الأمور لطبيعتها .

لكن الحقيقة والواقع كانت صادمة حتى للمشاركين في الإنقلاب ، فتوالت الأيام لتظهر حقيقة نوايا الإنقلابيين المتمثل في نهج واضح واصرارهم الكامل على إجتثاث كل أثر لتيارات الإسلام السياسي والإخوان على وجه خاص ،

الصورة البشعه التي أظهرها الإنقلابيون في مصر، رغم قساوتها وجرمها وحقارتها وسفالتها إلا أنها تؤكد حقيقة لا غبار عليها ، أن القوى الدافعه والمنظمة للانقلاب مرتبكة وفاقدة للثقة في ذاتها ، ولديها توجس كبير من الرأي العام المصري ، الذي أظهر تعاطفا في باديء الأمر مع الإخوان المسلمين ، ولكن مالبث أن أخذ على عاتقه وخاصة قطاعات الشباب والطلبة مهمة إزعاج قوى الإنقلاب بطرق وأساليب يصعب التكهن فيها .

ولكن السؤال الأهم من هي تلك القوى الناظمة والداعمه للانقلاب في مصر اليوم ؟ …

وللإجابة على السؤال ، نرجع بالتاريخ إلي ما قبل خمس وستين سنة ، و باسترجاع بسيط وسريع وتتبع الوثائق المصاحبة للمرحلة التاريخية منذ حل جماعة الإخوان المسلمين بأمر من الملك فاروق عام 1949 ثم إجباره على التخلي عن العرش في ثورة يوليو1952 من قبل حركة مجموعة الضباط الأحرار ، والتي ساندها الإخوان واليساريون وبعد مضي سنتين تسارعت الأحداث بدءا من تنحية الرئيس محمد نجيب من رئاسة الجمهورية  ، ومرورا بإنقلاب الضباط الأحرار على رفقاء الثورة من الإخوان واليساريين واتخاذ قرار حل جماعة الإخوان المسلمين للمرة الثانية وحتى إعدامات الإخوان في 1954 و 1966 ، كانت أحداث دامية تخللها حكم عسكري تسبب بنكبات وحروب منها حرب 1956  وفشل الوحدة بين مصر وسوريا 1961 وحرب اليمن 1962 ونكسة 1967 ، كلها نكبات حدثت في عصر جمال عبدالناصر ، ومع ذلك أعتبر على صعيد واسع من الرأي العام المصري العربي أنه عهد العزة والكرامة .

وهذا يعكس المزاج والثقافة السائدة والخلل الكبير في تقييم  واقع الأمور والأحداث  حينها وحتى يومنا هذا.

وبالعودة إلى تلك الحقبة نرى بأن من ادارها هي مجموعة وتكونت من عسكر مولعون بالسلطة وقادة إستخبارات شغفهم التحكم في مصائر الناس ونافذين ورجال أعمال إرتبطت فيما بينها بشبكة معقدة من المصالح غايتها وهدفها الهيمنة على مقدرات الشعب المصري البسيط .

وتلك المجموعة ذات الشبكة المعقدة نظرا لتعدد مراكز القوى فيما بينها ، فانها ما تلبث إلى أن تتصارع فيما بينها ، مما يتسبب لاضعافها كقوة جمعية ولكنها تبقى قوة فاعلة في المشهد السياسي ، تتفاوت قوتها بحسب الظروف والمعطيات والأحداث .

وبعد ثورة 25 يناير هددت هذه القوة تهديدا حقيقيا هذه المرة ليس على يد فئة من مجموعاتها وإنما من قبل الشعب المصري ولأول مرة ، مما حدا بها للتواري ، وسكنت لمدة سنة كاملة لتراقب وتخطط بالعودة من جديد ، وبالفعل كان لها مأ أرادت بأن قلبت ظهر المجن وعادت لتسوم الشعب المصري مرة أخرى ، وليس كما يظن الكثيرون أنها حرب على الإخوان وإنما هي حرب ضروس على كل من تسول له نفسه حرمان هذه المجموعة التي تشكلت فعليا في بداية الخمسينات من القرن الماضي ، لتمارس ذات العقلية والروح الإجرامية ، ولكنها غفلت عن شيء مهم ستنبؤها الأيام القليلة القادمة ، أن الزمن غير الزمن والأهم أن الشعب غير الشعب .

ولدي يقين بأن نكبة هذه المجموعة ستكون قاسية جدا عليها ، فالشعب المصري يحضر محكمته الثورية .

نُشِرت في شئون عربية | أضف تعليق

تعثر الثورات العربية .. هل هو حتمي ؟

TOPSHOTS-EGYPT-POLITICS-DEMO

تعثر الثورات العربية في رأيي حالة ضرورية وواجبة الوقوع ، ولو لم تكن قدرا إلهيا ، فمن الضروري أن يحدثها المتصدرون لمشهدها بأن يقيٍموا شهورها الماضية ، فخلال ثلاث سنوات منذ إنطلاق ثورة البوعزيزي في تونس ومرورا ببقية الثورات في دول ليبيا ومصر واليمن وسوريا ،وما جرى من أحداث أبرزها في البحرين وبقية الدول على تفاوت ، تستوجب المدارسة والمراجعة لكي نتلمس طريقا أكثر جدوى وليس أقل وعورة ، لأن كل الطرق المؤدية للحرية وعرة .

ونقصد ب “وعرة” أنها وعرة على الحاكم والمحكوم ، على السلطات والشعوب ، على النخب والعامة ، على المفكر والجاهل ..

فالثورات ليست إنقلابا على سدة الحكم بل على القيم والمفاهيم السائدة ، ومن هنا تأتي أهمية وقيمة الثورات ، أنها لا تبقي أثرا لما تسبب في وجودها أصلا . أما أن تقوم الثورة لتستبدل وجوها وشخوصا ، فهي ليست ثورة وإنما هي تحولات ، وإذا جاءت بما هو أقل مما كان فهي إنتكاسة .

ومن هنا نستطيع توصيف بأن ما جرى ويجري في عالمنا العربي خلال الثلاثة أعوام السابقة هو متفاوت من حيث إكتمال الوصف عليه أنه ثورة إلى ما دون ذلك بدرجات متفاوتة ، فما جرى في تونس يعتبر أقرب للثورة الكاملة ، نظرا لغياب النظام السابق بأغلبيته وليس برمته ، ويسجل لتونس هو إبقاء التباين الشديد في المواقف في إطار الخلاف السياسي لا الصراع ، أما ليبيا فتعتبر ثورة كاملة حيث قامت بتغييب النظام السابق بكامله، ويعود أمر تأرجحها وفوضويتها إلى تفشي الجهل السياسي وغياب الدولة المؤسسية سلفا والذي تسبب به النظام السلطوي الفردي السابق، وسوريا لا زالت الثورة قائمة ورغم أنها أخذت طابعا مسلحا إلا أنها تبقى في تقديري ثورة مدنية وسلمية ، لأن من يديرها هي مجموعات مدنية ومجموعات مسلحة وسياسيين ومثقفين ، وأيضا لأن القائمين عليها لم يوسعوا دوائر الصراع إلى عمليات إستشهادية أو إغتيالات رغم توفر الأجواء والإمكانات لدى مجموعات بعينها.

أما مصر فقد كانت ثورة لكنها عادت إلى ما قبل تاريخها لذا نزعت عن جسدها لباس الثورة لتوصف بالإنتكاسة ، وإرهاصات ما بعد 30 يونيو والثالث من يوليو تؤكد بأن مصر أمام مفترق طريقين إما إستنهاض ثورة جديدة في مواجهة حكما عسكريا مستبدا تبدت ملامحه الأولى ،أو تراضي سياسي بطيء ينتج حالة هجينة ليست بالمدنية ولا الديمقراطية ، تتراوح بين القبول المصلحي والإقصاء والإبعاد بل والإجتثاث.

وهناك اليمن المثخن بجراح ثورة ماكادت تتحرك عجلتها حتى وئدت في أول الطريق بحلول إقليمية وعالمية من الخليج وأمريكا لمصالح متشابكة ، ساهمت في إرسائها ظروف محلية ذات طابع قبلي عشائري .

وأما ما ظهر من حركات لشعوب أخرى كالبحرين والكويت ، فما هي بالثورات ولكن هي حركات شعبية تحكمها أطر محلية وثقافية واجتماعية ، لن ترقيها أبدا إلى ثورة ، على الأقل في المنظور القريب والمتوسط .

والآن أين الضرورة في تعثر الثورات العربية ؟ .. الضرورة تكمن في وجوب محو كل أثر من جاهلية حكم وسلطة ، فواقع الحال الذي هيمن على الوطن العربي منذ عقود واقع رذيل تجمعت فيه الخسة والإحتقار ، وتمركز في أحشائه عفن النفاق والمكيدة والخديعة والفساد والجهل ، وتأسست بموازاتها قيم ومفاهيم رهنت الشعوب في أحضان حكام لم تكن الأمة والأوطان ذات اولوية ، ودليل ذلك هو الغياب التام للعدالة الإجتماعية ، والحرية تبقى باختيار الحاكم ، أم القانون فالسلطان وحاشيته هم النص والسيف ، والكرامة للسلطان ومن يواليه وما عداه فهم رعاء وحفنة ليس لهم من وظيفة في الوطن إلا الإتبعاء .

هذه الحالة المزرية لا تزيلها موجة عابرة من الثورة بل لا بد إقتلاعها بثورات متتابعة متوالية تفني فيها الشعوب وتفرض إرادتها القوية والواعية ، من خلال إدراك ثقافة الثورات أن من يقوم بالثورة ليس بالضرورة أن يقودها بعد إستراحتها الأولى فمن يكمل مسيرة التهيئة المدنية ليس بالضرورة أن يكون من أطلق شرارتها ، وهو ما جهله الكثير من الثوار ، فالغاية من الثورات هو تحقيق مطالبها وليس وجود من قدح زنادها بداية لكي تحمله في كل مراحلها .

الثورة مراحل عدة ويجب ألا تنتقل لمرحلة دون إتمام سابقتها ، وهو ما كان يجب أن يكون في ثورات العالم العربي ولا زالت الفرصة قائمة .

لذا فاسقاط نظام حكم أو رأسه ليست الغاية التي تبلغها الثورات ، بل إسقاط كل الأسس والمعايير التي كان يحكم على أساسها ، والتعامل معه وفق أطر قانونية مؤسسية عادلة ، ثم إرساء قيم العدل والحرية والحقوق والقانون والمؤسسية والشفافية ، وهذا لن يتأتى إلا بتشارك سياسي مهما كانت صعوباته .

ومن هنا نعتبر أن تعثر الثورات العربية أمر حتمي ، لكي تستوعب الشعوب قبل النظم الحاكمة والثائرين أن مسح وجه الوطن العربي القبيح الكئيب لن يحدث بعملية تجميلية بل بعمليات جراحية عميقة مؤلمة تغير ملامحه كاملة .

نُشِرت في شئون عربية | أضف تعليق

الردة الفرعونية .. لن تطول

مصر - 2

لماذا مصر بالذات تأخذ هذه المساحه من هَمْ الضمير والعقل العربي .

لأن الظرف السياسي الذي نسجه العسكر وحلفائهم من بقايا النظام البائد والليبراليين والجموع الشبابيه الثورية ، بخيوط ماكره وخائبه ، يجعل الروح العربية التي قررت بعد عقود أن تثور بعد سبات ، مهدده أن تعود جبرا وقسرا على حالة الذل والهوان والسكون ..

بالنسبة لي لست قلقا على مصر ولا على  مستقبل الربيع العربي الذي أرعب النظم السياسية المستبدة في عالمنا العربي سواءا التي سقطت أو التي تترنح أو من تراقب أو من تسعى جاهده لتصويره على أنه خريفا لا يأتي إلا بالأوراق الصفراء .

 فالربيع العربي ممتد ، وإمتداده يعني أن مخاضه سيطول وسيتعرج وسيخفق أحيانا وسيعلو أخرى ، حتى يصل إلى حالة الاتزان والقبول الكامل بثقافة التغيير وأسس المدنية ومباديء الديمقراطية ، فالكل يدرك أن المجتمعات العربية بينها وبين التغيير بحر من التضحيات ، والجموع والحشود الحية التي نذرت أرواحها لن تخبو فيها جذوة التوق إلى رياح الحرية والكرامة .

إن مصر مركز النظام السياسي العربي المركب على الاستبداد طوال عقود سابقة ، وستكون الآن النموذج في صراع الارادات ، بين إرادة الحرية والكرامة وإرادة الذل والمهانة ، هذا الصراع سينتج حتما إنتصارا – حالما ينضج – الارادة الشعبية القوية التي ترفض هيمنة القوى العسكرية والأمنية وعصابات المال وقوى نفوذ الفساد .

لأجل ما سبق تأتي مصر في مقدمة إهتمامنا عربيا ، رغم أنها أقل جراحا من سوريا المكلومة وأقل فوضى من ليبيا المنهكة ومن تونس المترددة ، ففي صلاح مصر هو صلاح العرب ، على سبيل المثال فدول الخليج العربي ، ستترتب مساراتها السياسية على نحو مغاير لما عليه واقع الحال ، وذلك عندما تعيد الثورة كرَتها في مصر ، والعودة لن تكون بهذه السهولة لكنها أيضا لن تعود كما كانت قبل 25 يناير 2011 ، وكما كانت أضغاث أحلام الخليجيين ومن على شاكلتهم من أنظمة سياسية مشارقية ومغاربيه .

إن مصر حجر زاوية التغيير الفعلي والتحول الحقيقي للديمقراطية العربية ، وما نراه من ملامح ردة سياسية أتوقع أنها قصيرة الأمد لكنها ستكون قاسية ، وحدوث هذه الردة لا يثير في نفسي الاستغراب ، لكن الغريب فيها أن أحد صناعها والفاعلين فيها هم تيارات كنا نظنها رائدة التغيير السياسي المدني الديمقراطي الحر ، لكنها كشفت عن وجه قبيح إنتهازي ، يبرر صعوده لظهر دبابة العسكر ويسند زناد السلاح لجندي يتأهب لوأد شرعية شعب ، تدعي كذبا أنها شرعية تهدد الوطن ، والحقيقة هي تيقنها بعدم قدرتها علي كسب جولات الإختيار الحر أمام تلك الارادة  .

أنا .. وبكل وضوح أقولها الإخوان المسلمين وحلفاؤهم الاسلاميين أخطأوا في إدارة شئون الحكم خلال سنة ، في ظل ظروف استثنائية غير مستقرة ، لكن تلك الأخطاء لا تبرر بأي حال الخطيئة الكبرى باللجوء إلى الجيش لينقض على شرعية إرادة شعب ، وما يدلل على أنها خطيئة هو مسار خارطة الطريق الذي دُشن بتكميم الأفواه المخالفة والقمع الأمني والاعتقال السياسي والتعدي البدني ، ليؤكد قطعيا أنها “ردة ” ستكون وبالا على أصحابها ، لأنهم جنحوا لمسلك لن يصمد أمام إرادة شعب حر.

وأسوأ مظاهر تلك ” الردة ” اللغة الاعلامية والسياسية الفجة التي يعبر عنها بعض الإعلاميون والسياسيون والمثقفون والمفكرون من لغة فوقية منحازة متهكمة ساخرة لا تخلو من بذاءة القول والسلوك ، تشعرنا أننا أمام ردة ليست مصرية وإنما ردة فرعونية ، ستأتي عليها لحظة كارثية إنتحارية ، لأنها -ببساطة- لا تعبر عن سواد مصر الاسلامي والعقلاني والبسيط والمكدوح والواعي والمنصف والمثقف والعامل والفقير .

لحظة قد لا يطول إنتظارها ، آملا قبلها أن تصحو القوى السياسية المنحازة للانقلاب ، وتتنبه لخطيئتها وتتبرأ وتعيد الأمور إلى نصابها من خلال الدعوة إلى مصالحة وطنية  ،وتتراجع عن كل الخطايا وتبدأ بحوار وطني موسع تكون فيه جميع القوى السياسية دون استثناء متوازية ، تعالج الجسد المصري من تبعات ما حصل وبالتوازي تحضر خطة عمل زمنية للتحول المدني الديمقراطي بأسرع ما يمكن .. صحيح أنه مخرج شديد الضيق ، لكنه حتمي وضروري ومصيري لا يمكن تصور بديلا عنه .

نُشِرت في شئون عربية | أضف تعليق

مصر..الرابح والخاسر ليس كما هو ظاهر

مصر

وقع القدر .. وأُسقطت الشرعية في مصر بفعل فاعل ليس له من مصر إلا الإسم والمظهر ..

فمنذ قيام ثورة 25 يناير وهاجس عودة النظام السابق قائمة لم تمت في خلد المصريين ، لكنهم لم يتصوروا أن تعود بهذه الكيفية المذله التي وقعت في يوم 1 يوليو على إثر ثورة غبية .

فعلا غبية .. غبية لأن من أُستغل فيها أكثر ممن إستغلها ..

فقد ساهمت في إنتاج النظام السابق ذاته وكيانه من خلال واجهة جديدة مستغلا تجذره العميق في مفاصل الدولة ، وما لديه من مال كنزه طوال 30 سنة ، وتجار مافيا باتت مصالحهم مهدده في ظل نظام حاكم يحاصرهم ويلاحقهم ، ومعه إعلام مأجور وقضاء غير نزيه خبرته في السياسة أكثر من القانون ، إضافة إلى مؤسسة عسكرية مائلة القلب لنظام حاكم سابق لها معه ذكريات عز باتت تبور مع مضي الوقت ، وأجهزة أمن وشرطة ترى في عودة النظام السابق هي عودة الحصة اليومية من قوت الشعب الفقير البائس ، حيث يرتع في جيوبهم بدءا من الشرطي الى أكبر قائد أمني ، أجهزة أمن غير مستعدة لملاحقة اللصوص فخبرتها الطويلة هي ملاحقة السياسيين وسجناء الرأي ، كل ما سبق تضافر ليجعل من عودة النظام السابق قائمة ، لكن الظروف والمعطيات والمتغيرات الكبرى التي كسبها الشعب المصري من ثورة يناير حالت دون ذلك طوال سنتين كاملتين ، ولكن إلى حين.

حين حلت المفاجأة الكبرى والصاعقة المميته لارادة الشعب المصري الحر ،  بتطوع القوى السياسية الليبرالية واليسارية والقومية لتجعل من حلم القوى الحالمه في عودة النظام السابق واقعا ممكنا بل قريب الحدوث ، فبدأوا بتغرير القوى الشبابية  لتقوم بتحريض الشارع والحشود وهذا خطأ تاريخي لن يغفره الشعب المصري الحر لكل القوى السياسية الليبرالية والقومية واليسارية أبدا ، وحتى الشبابية منها مالم تعترف بخطئها .

إن توالي الأحداث منذ 2 يوليو والى غاية اليوم ، في ظاهرها شيء وفي باطنها شيء آخر ، فالرابح والخاسر ليس كما هو ظاهر والعبرة ليس في آنية اللحظات وإنما في مستقبل الأيام والشهور ، فالحشود التي أٌوهِمت وخرجت أو غُرر بها للخروج سواءا بدافع الخصومة والكره للاخوان المسلمين سابقا او لاحقا أي بعد سنة من حكم الاخوان ، تلك الحشود حتما لن تتكرر ، فقد ظهر لها بما لا يقبل الشك ، أنها غُبنت وخدعت ، فقد رفعت شعارات التخلص من حكم وصفهوه بالمستبد ، لترى منذ اللحظة الاولى في إطاحته استبدادا حقيقيا لا وصفا ، اعتقالات وتكميم أفواه وملاحقات واستفراد بالسلطة واختيار وجوه على شاكلة النظام السباق واجراءات كاذبة من تعيينات واعلانات غير دستورية وغير قانونية ، كلها تؤكد أن ماحصل ليس كما يدعون أن ليس إنقلابا وإنما تدخل لحماية مصالح الأمة ، والحقيقة أنه إنقلابا عسكريا بامتياز ، ويكاد يكون أتقن إنقلابا عسكريا عرفه التاريخ المعاصر .

لتصبح مصر في يوم الثالث من يوليو على عودة مهينة لما قبل 25 يناير وأسوأ ، وتلك العودة المشؤومة لو جاءت على يد العسكر فقط  لكان أمرا هينا لكنها جاءت بتحالف مشين بين العسكر والقوى السياسية المدعية للديمقراطية والحرية  ، لتسقط حكما شرعيا له وعليه ، عددت أخطاءه قبل توليه الحكم فكيف تتوقع حديثها عنه بعد مضي سنة فقط من حكمه .

إن ما حصل في مصر ليس إنقلابا بل هو كارثة أخلاقية أحدثتها عدة قوى في الجسد المصري ، قد لا تتعافى منها مصر لمدة طويلة ، وما يتردد هنا وهناك ليؤكد أن خيوط ما حصل هي مؤامرة من خارج مصر – وهي القصة المفضله لدينا كعرب – وفي هذا الترديد إعفاء للمصريين من مسؤولية ما حدث ، فكل ما حدث هي إرادة النظام السابق تغلبت على إرادة شعب ولدت في 25 يناير ، مستغلة كل الظروف والقوى المؤثرة في الدولة المصرية ومؤسساتها ، وأيضا مستغلة طبيعة التكوين النفسي والعاطفي وبعضا من الجهالة والسذاجه في المجتمع المصري .

وأعتقد بأن على الشعب المصري مسؤولية تاريخية لا يتحملها الاخوان المسلمين لوحدهم وحلفائهم من الاسلاميين ، فلا بد من إعادة صناعة الشرعية الكاملة دون تمييز سياسي ، فعلى الاخوان الابتعاد عن وصف ما حصل بأنه حرب على الايمان والاسلام ، بل هي تقويض لشرعية وطن واستيلاء على ارادته ، ومن ثم لا بد على بقية الفصائل المجتمعية والسياسية التوقف عن الخصومة السياسية وروحية الاقصاء للاخوان والاسلاميين ، والعودة من خلال تشكيل جبهة وطنية واسعه تنضوي تحتها كل تيارات الطيف الوطني لكي تستطيع مواجهة تحالف هجين وزائف لن يطول تماسكه .

نُشِرت في شئون عربية | أضف تعليق

المقاطعة .. كَبْح

  مقاطعون

أتفهم إبداء البعض وجوب حسن الظن في السلطة من باب ( الهون أبرك ما يكون ) وحسن النوايا في العمل السياسي مقبولة في حدود ، حينما تكون الأطراف مختلفة في التفاصيل ومتوافقة على الأصول .

لكن في الحالة الكويتية ومنذ عقود فلا مكان لحسن الظن ، الحالة الكويتية تفتقد للتوافق ، فضلا عن التفاهم والاختلاف ، واغلب شواهدها تجزم على ان السلطة مصرة ومترصدة بالشعب والدستور ، فالسلطة منذ تزوير 1967 ، وما تلاها من عبث في قانون التجنيس لتأتي بمجلس 1971 الهجين، دون الاكتراث بما يلحق المجتمع من خلخلة اجتماعية ، ثم حلت مجلس 1976 حلا غير دستوري ، حتى جاء مجلس 1981 المشكل وفق شهوة السلطة ورغبتها بعد صعود الحركات الاسلامية ، التي كان حضورها الأول بأولويات تصب كلها في الاصلاح الاجتماعي ، غير مكترثة بالذود عن المكتسبات الدستورية ، فكان مجلسا مريحا الى حد كبير ، إلى أن اتى مجلس 1985 الذي حل أيضا حلا غير دستوري لتغيب معها الحياة الديمقراطية في الكويت ، مما مهد للغزو فغياب أسس الحياة الديمقراطية الدستورية سببا رئيسا في وقوع الغزو الغاشم ، ولم تكتف السلطة بل دعت الى إنتخاب مجلس وطني كبديل ممزقة للدستور، وكابرت أن دعت لانعقاده بعد التحرير ، رغم أخذ العهد مع الشعب في مؤتمر “جدة” إبان الغزو ، ولم تقف السلطة عند هذا الحد بل تجاوزته الى إفشال المجالس المتعاقبة منذ مجلس 1996 وإلى غاية المجلس المبطل الأخير 2013 ، الذي أنجبته خارج رحم الدستور .

كل تلك الشواهد تؤكد أننا أمام سلطة لا ترعوي ولن تتراجع عن خيار إخواء الدستور من مضامينه الأساسية ، والتي أحدها التشارك السياسي في إدارة شئون البلاد ، وفق أسس دستورية ديمقراطية مؤسسية تكون السيادة فيه للأمة . أبعد كل ذلك يدور في خلد السياسيين والناشطين والمختصين ، أن خيار المقاطعه خاطيء ، أعتقد أن السلطة كما اخترقت القبيلة فهي قادرة على اختراق كل كيانات المجتمع حتى المثقفة منها ، لأننا كشعب لا زلنا نتصور أن الحقوق توهب لا تؤخذ .

ومن هنا نستغرب من الداعين الى وجوب المشاركة في الانتخابات ، من خلال مطالباتهم وعتبهم المتكرر ، وبل ويتجاوز البعض منهم الى تخطيء  فريق المقاطعة ، ويحملونهم مسؤولية التعطيل والمراوحة التنموية ، وكأن  المؤسسة التشريعية والمعارضة السياسية معنية بعملية التنمية وتنفيذ الخطط ، التي هي من صميم اختصاص السلطة الحاكمة ممثلة في التنفيذية ،  ولكونها منشغله في المواجهة السياسية ، فمن الطبيعي أن تخلط الزيت بالماء ثم بالتراب.

إن السلطة الحاكمة تتحمل وزر كل ما يحل في الوطن بسبب سوء إدارتها ، فهي تركت موقع الحكم ، وتحولت الى طرف رئيسي في الصراع السياسي ، كلنا نعرف أنها الجهة المهيمنة على الدولة وامكاناتها ، لكن للأسف تسخرها في صراع كان من المفترض أن تترفع عنه .يخطيء من يظن أن الاستقرار تجلبه المهادنة مع السلطة ..

إن السبيل الوحيد للخروج من أزماتنا كلها ، هي العودة الصادقة للدستور ففيه حماية أكيدة للوطن وللشعب وللسلطة نفسها ، فالناظر لمواد الدستور يرى جله وأغلبه لصالح أسرة الحكم ، وما تبقى هي مكتسبات شعبية لا تضاهي البته ما منحه من مزايا لسلطة الحكم ، ومع ذلك لا زالت غير مكتفية بهذه الضمانات الدستورية التي اختزلت الحكم في ذرية ( مبارك ) ومنحت سلطات واسعه للأمير لإختيار ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء والوزراء ، وإدارة شئون وخدمات الوطن ، والاستئثار في ادارة شئون المؤسسات المالية والاستثمارية مع بقاء سرية المعلومات فيما يخص المركز المالي للدولة حصريا لدى السلطة ودوائر ضيقة ، ناهيك السلطة لوحدها هي من تقرر تعيين شاغلي المناصب الحساسة ذات الارتباط في مصير الوطن ومستقبله ، ثم تأتي السلطة وتستشعر أن هناك مزاحمة من الشعب في مكتسبات الحكم .

الكل يعلم أن السلطة مقصرة جدا في كل واجباتها ، وبدلا من معالجة هذا القصور ، تندفع بلا كوابح للتدخل في شئون وحقوق الشعب في اختيار ممثليه ، وهذا تعدي سافر لا يقل خطورة عن أي تهديد أمني خارجي . نقولها بشكل صريح أن المقاطعة ستمنع السلطة من الانقلاب المتكرر على الشعب ، لذا نرى وجوب المقاطعة .

نُشِرت في محليات | أضف تعليق